سيد قطب

3465

في ظلال القرآن

على الاعتبارين اللذين ذكرناهما في معنى الأولين والآخرين . وهنا يصل بنا السياق إلى أصحاب الشمال - وهم أصحاب المشأمة الذين سبقت الإشارة إليهم في مطلع السورة : « وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ؟ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ . إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ . وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ . وَكانُوا يَقُولُونَ : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ؟ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ؟ قُلْ : إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ . لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ . فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ . فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ . فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ . هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ » . . فلئن كان أصحاب اليمين في ظل ممدود وماء مسكوب . . فأصحاب الشمال « فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ » . . فالهواء شواظ ساخن ينفذ إلى المسام ويشوي الأجسام . والماء متناه في الحرارة لا يبرد ولا يروي . وهناك ظل ! ولكنه « ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ » . . ظل الدخان اللافح الخانق . . إنه ظل للسخرية والتهكم . ظل « لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ » . . فهو ظل ساخن لا روح فيه ولا برد ؛ وهو كذلك كز لا يمنح وراده راحة ولا إنعاشا ! . . هذا الشظف كله جزاء وفاق : « إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ » . . وما آلم الشظف للمترفين ! « وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ » . . والحنث الذنب . وهو هنا الشرك باللّه . وفيه إلماع إلى الحنث بالعهد الذي أخذه اللّه على فطرة العباد أن يؤمنوا به ويوحدوه . « وَكانُوا يَقُولُونَ : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ؟ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ؟ » كانوا . . . هكذا يعبر القرآن ، كأنما الدنيا التي فيها المخاطبون قد طويت وانتهت فإذا هي ماض . والحاضر هو هذا المشهد وهذا العذاب ! ذلك أن الدنيا كلها ومضة . وهذا الحاضر هو العقبى والمآب . وهنا يلتفت السياق إلى الدنيا في أنسب الأوقات لهذه اللفتة ليرد على سؤالهم ذاك : « قُلْ : إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ » . . هو هذا اليوم الحاضر المعروض المشهود ! ثم يعود إلى ما ينتظر المكذبين . فيتم صورة العذاب الذي يلقاه المترفون : « ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ . لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ » . . ولا يدري أحد ما شجرة الزقوم إلا ما وصفها اللّه به في سورة أخرى من أن طلعها كرؤوس الشياطين . ورؤوس الشياطين لم يرها أحد ولكنها تلقي في الحس ما تلقيه ! على أن لفظ « الزقوم » نفسه يصور بجرسه ملمسا خشنا شائكا مدببا يشوك الأكف - بله الحلوق - وذلك في مقابل السدر المخضود والطلح المنضود - ومع أن الزقوم كرؤوس الشياطين ! فإنهم لآكلون منها « فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ » . . فالجوع طاغ والمحنة غالبة . . وإن الشوك الخشن ليدفع إلى الماء لتسليك الحلوق وري البطون ! وإنهم لشاربون « فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ » . . الساخن الذي لا يبرد غلة ولا يروي ظمأ . « فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ » . . وهي الإبل المصابة بداء الاستسقاء لا تكاد ترتوي من الماء ! « هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ » . . والنزل للراحة والاستقرار . ولكن أصحاب الشمال هذا نزلهم الذي لا راحة فيه ولا قرار ! هذا نزلهم في اليوم الذي كانوا يشكون فيه ، ويتساءلون عنه ، ولا يصدقون خبر القرآن به . كما كانوا يشركون باللّه ولا يخافون وعيده بذلك اليوم المشهود . . بهذا ينتهي استعراض المصائر والأقدار ، يوم تقع الواقعة . الخافضة الرافعة . وينتهي كذلك الشوط الأول من السورة .